سيد محمد طنطاوي

154

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

منهم ، ثم عفا عنهم ، واستغفر ربه مما كان قد عزم عليه ، لأنه كان يرى أن الأليق به العفو لا الانتقام « 1 » . وهذا القول - وإن كان لا بأس به من حيث المعنى - إلا أن الرأي الذي سقناه سابقا ، والذي ذهب إليه الإمام أبو حيان ، أرجح وأقرب إلى ما هو ظاهر من معنى الآيات . وملخصه : أن الخصومة حقيقية بين اثنين من البشر ، واستغفار داود - عليه السلام - سببه أنه ظن أنهم جاؤوا لاغتياله ولإيذائه ، وأن هذا ابتلاء من اللَّه - تعالى - ابتلاه به ، ثم تبين له بعد ذلك أنهم ما جاؤوا للاعتداء عليه وإنما جاؤوا ليقضى بينهم في خصومة ، فاستغفر ربه من ذلك الظن . فغفر اللَّه - تعالى - له . ولعلنا بهذا البيان نكون قد وفقنا للصواب ، في تفسير هذه الآيات الكريمة ، التي ذكر بعض المفسرين عند تفسيرها أقوالا وقصصا لا يؤيدها عقل أو نقل ، ولا يليق بمسلم أن يصدقها ، لأنها تتنافى مع عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - الذين اختارهم اللَّه - تعالى - لتبليغ دعوته ، وحمل رسالته . وإرشاد الناس إلى إخلاص العبادة له - سبحانه - وإلى مكارم الأخلاق ، وحميد الخصال . ثم بين - سبحانه - أنه لم يخلق السماوات والأرض عبثا ، وأن حكمته اقتضت عدم المساواة بين الأخيار والأشرار ، وأن هذا القرآن قد أنزله - سبحانه - لتدبير آياته ، والعمل بتوجيهاته فقال - تعالى - : [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 27 إلى 29 ] وما خَلَقْنَا السَّماءَ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ( 27 ) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ( 28 ) كِتابٌ أَنْزَلْناه إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِه ولِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبابِ ( 29 )

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 23 ص 186 .